مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة

 

اختيار العلا لاستضافة المؤتمر رسالة واضحة بأن الاقتصاد الحديث يمكن أن ينطلق من عمق التاريخ. فالعلا، التي تمثل أحد أهم المواقع الحضارية في العالم، أصبحت اليوم فضاءً للحوار حول قضايا النمو، والاستدامة، والتحول الاقتصادي. هذا الدمج بين الإرث الحضاري والرؤية المستقبلية يعكس فلسفة جديدة في استضافة الفعاليات الدولية، حيث يصبح المكان جزء من الرسالة وليس مجرد موقع جغرافي.

 

مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة

 

منصة عالمية لاقتصادات الأسواق الناشئة

جاء مؤتمر العلا ليخاطب واحدة من أكثر القضايا إلحاح في الاقتصاد العالمي، وهي مستقبل اقتصادات الأسواق الناشئة، التي تضم أكثر من ثلثي سكان العالم، وتسهم بنسبة متزايدة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي. هذه الاقتصادات تواجه تحديات معقدة، تتراوح بين تقلبات الأسواق المالية، وارتفاع مستويات الدين، والتضخم، والتغيرات الجيوسياسية، إضافة إلى تحديات التحول الرقمي والتغير المناخي.

من هنا، وفر المؤتمر منصة تجمع وزراء مالية، ومحافظي بنوك مركزية، وصناع سياسات، وخبراء اقتصاديين، وقادة مؤسسات دولية، بهدف مناقشة هذه التحديات من زوايا متعددة، وتبادل الخبرات، وبحث الحلول العملية القابلة للتطبيق.

 

أهداف المؤتمر… ما وراء النقاش النظري

لم يأتِ مؤتمر العلا ليكون مساحة للنقاش الأكاديمي المجرد، بل ركّز على السياسات الواقعية التي يمكن أن تُحدث فرق فعلي في اقتصادات الأسواق الناشئة. ومن أبرز أهدافه:

  • تعزيز الحوار الدولي حول السياسات المالية والنقدية في ظل بيئة اقتصادية عالمية مضطربة.
  • دعم التعاون بين الدول الناشئة والمؤسسات المالية الدولية.
  • مناقشة سبل تحقيق نمو اقتصادي شامل ومستدام، يوازن بين الاستقرار المالي والتنمية الاجتماعية.
  • استشراف دور التكنولوجيا والابتكار في تسريع النمو الاقتصادي وتحسين الإنتاجية.
  • تعزيز قدرة الاقتصادات الناشئة على الصمود أمام الصدمات الخارجية والأزمات العالمية.

محاور رئيسية تعكس واقع الاقتصاد العالمي

تناولت جلسات المؤتمر مجموعة من المحاور الحيوية التي تمس الواقع اليومي للاقتصادات الناشئة، من أبرزها:

أولاً. السياسات المالية في زمن عدم اليقين

ناقش المشاركون كيفية إدارة السياسات المالية في ظل ارتفاع أسعار الفائدة العالمية، وتزايد الضغوط على الموازنات العامة، مع التأكيد على أهمية تحقيق التوازن بين الانضباط المالي ودعم النمو.

ثانياً. الاستقرار النقدي والتضخم

كان التضخم أحد أبرز القضايا المطروحة، حيث تبادلت الدول تجاربها في استخدام أدوات السياسة النقدية للسيطرة على الأسعار دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي.

ثالثاً. الديون والتنمية

تناول المؤتمر تحديات الدين العام، خاصة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، وسبل إعادة هيكلة الديون بطريقة تضمن الاستدامة المالية وتتيح في الوقت نفسه الاستثمار في التنمية.

رابعاً. التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي

برزت التكنولوجيا كعامل حاسم في مستقبل الاقتصادات الناشئة، حيث ناقش المؤتمر دور التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في تحسين كفاءة الحكومات، وتطوير الخدمات، وخلق فرص عمل جديدة.

خامساً. التغير المناخي والنمو الأخضر

لم تغب قضايا المناخ عن النقاش، إذ تم التركيز على كيفية مواءمة السياسات الاقتصادية مع متطلبات التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، دون إبطاء وتيرة النمو في الدول الناشئة.

 

الحضور الدولي … تنوع في الرؤى والخبرات

تميّز مؤتمر العلا بتنوع المشاركين، ما أضفى عليه ثراء فكري واضح. فقد شارك فيه ممثلون عن دول من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية، إلى جانب قيادات مؤسسات مالية دولية وخبراء اقتصاد عالميين. هذا التنوع أتاح مقارنة التجارب، ورصد الفروق بين النماذج الاقتصادية المختلفة، واستخلاص دروس مشتركة يمكن البناء عليها.

 

رسالة السعودية إلى العالم

يمثل مؤتمر العلا امتداد للدور المتنامي الذي تلعبه المملكة العربية السعودية في الاقتصاد العالمي، وكطرف فاعل في صياغة الحلول الاقتصادية الدولية. فاستضافة هذا المؤتمر تعكس التزام المملكة بدعم التعاون الدولي، والمساهمة في استقرار الاقتصاد العالمي، وتعزيز صوت الاقتصادات الناشئة في المحافل الدولية.

كما ينسجم المؤتمر مع رؤية  2030، التي تسعى إلى تنويع الاقتصاد، وتعزيز الانفتاح على العالم، وبناء شراكات استراتيجية تقوم على المعرفة والابتكار.

 

نتائج وتوصيات… نحو تعاون أعمق

خرج مؤتمر العلا بجملة من الرسائل الأساسية، أبرزها التأكيد على أن التحديات التي تواجه الاقتصادات الناشئة لا يمكن معالجتها بشكل منفرد، بل تتطلب تعاون دولي أعمق، وتنسيق بين السياسات الوطنية والمؤسسات الدولية. كما شدد المشاركون على أهمية الإصلاحات الهيكلية، والاستثمار في رأس المال البشري، وتبني التكنولوجيا كرافعة للنمو.

 

في المحصلة، لم يكن مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة خطوة استراتيجية نحو إعادة رسم خريطة الحوار الاقتصادي العالمي، بحيث تكون الاقتصادات الناشئة في قلب هذا الحوار، لا على هامشه. ومن العلا، المدينة التي شهدت تعاقب الحضارات، انطلقت رسالة مفادها أن مستقبل الاقتصاد العالمي يُصاغ اليوم، عبر التعاون، والابتكار، والرؤية بعيدة المدى.

ومع استمرار هذه المبادرة في السنوات المقبلة، يُتوقع أن يتحول مؤتمر العلا إلى محطة سنوية رئيسية في أجندة الاقتصاد العالمي، ومنصة مؤثرة لصناعة الأفكار والسياسات التي ستحدد ملامح النمو والاستقرار في عالم سريع التغير.