الاحتفاء بقرن من الفن الحديث في سوثبيز نيويورك

 

شكل القرن التاسع عشر نقطة تحول حاسمة في تاريخ الفن الغربي. ففي استوديوهات باريس، بدأ جيل جديد من الرسامين بالابتعاد عن القيود الصارمة للتقاليد الأكاديمية، سعياً إلى التقاط الجوانب العابرة للحياة اليومية، تدرجات ألوان السماء عند الغروب، حركة الحشود، وصخب المقاهي الباريسية. لم تكن الانطباعية مجرد تحول في الأسلوب الفني، بل كانت تحوّلاً في طريقة التفكير، وإعلاناً جريئاً بأن الإدراك الإنساني بحد ذاته يستحق أن يكون موضوع لوحة فنية.

أما القرن الذي تلا ذلك، فقد شهد إعادة ابتكار فنية عميقة وقوية. فقد بنت حركات الطليعة الفنية في القرن العشرين على ذلك التحول المبكر، ودفعت به نحو آفاق جديدة وجريئة، من خلال تفكيك الشكل، وتحدي المنظور التقليدي، وتسليم الفن لقوى الأحلام والمشاعر.

مع اقتراب فصل الصيف يدعو مزاد سوثبيز نيويورك هواة جمع الأعمال الفنية وعشاق الفن الحديث لاكتشاف مجموعة استثنائية من حيث التنوع والطموح. يضم هذا المزاد أعمالاً تمتد لأكثر من قرن من الزمن، تشمل لوحات ورسومات ومنحوتات من مختلف أنحاء أوروبا والأميركيتين، وتتبع مسار تطور الفن بدءاً من انطلاقة الحركة الانطباعية وصولاً إلى الحركات الطليعية الجريئة في القرن العشرين.

تابع القراءة لاكتشاف أبرز الأعمال المشاركة في هذا المزاد قبل تقديم عرضك.

 

متى وأين؟

يتم عرض المجموعة في سوثبيز نيويورك ابتداءً من يوم السبت 2 مايو وحتى يوم الاثنين 18 مايو، مع استقبال الزوار يومياً من الساعة 10 صباحاً حتى 5 مساءً. أما المزاد المباشر فسيُقام يوم الأربعاء 20 مايو، وينقسم إلى جلستين، تغطي الجلسة الأولى القطع من 301 إلى 440، بينما تشمل الجلسة الثانية القطع من 501 إلى 610.

 

أبرز القطع المعروضة

 

تمثال "رأس رجل ملتحي" - بابلو بيكاسو
السعر التقديري: 2,000,000 – 3,000,000 دولار أميركي

تزوج بابلو بيكاسو من جاكلين روك عام 1961، واستقر معها في «ماس نوتردام دو في» وهي فيلا منعزلة تقع على التلال المطلة على مدينة كان. وبعيداً عن ضغوط حياته العامة، دخل مرحلة تعد من أكثر فترات مسيرته الفنية إنتاجاً، وهي الفترة التي يُشار إليها اليوم بين الباحثين باسم «السنوات البطولية». وهناك، أنجز عمله «رأس رجل ملتحي» في مارس عام 1965، وكان يبلغ من العمر آنذاك ثلاثة وثمانين عاماً.

تنتمي هذه اللوحة إلى سلسلة من البورتريهات الرجالية التي استحوذت على اهتمام بيكاسو خلال العقد الأخير من حياته. وقد استلهم هذه الشخصيات الملتحية والمهيبة من نماذج الفرسان ورجال النبلاء في العصر الذهبي، إلا أن الأعمال حملت في طياتها بعداً شخصياً عميقاً. ويُروى أن بيكاسو قال إن كل رجل كان يرسمه يذكره بوالده، لذلك يمكن فهم هذه السلسلة عموماً باعتبارها تأملاً في الهوية والتقدم في العمر والإرث الفني.

في لوحة «رأس رجل ملتحي» تتجلى ملامح الوجه بضربات فرشاة سريعة وواثقة، مرسومة فوق مساحات واسعة من اللون الأبيض، ما يختزل الشخصية إلى أكثر صفاتها التعبيرية جوهرية. والنتيجة صورة لافتة ترتكز على مفهوم النظرة القوية، وهي فكرة تتكرر في أعماله المتأخرة وغالباً ما تفسر بوصفها انعكاساً لذاته.

تنقلت هذه القطعة بين سبعة مُلاك مختلفين على مر السنوات، وكان آخر ظهور لها في مزاد عام 2005 عندما بيعت لدى كريستيز مقابل 1.05 مليون دولار أميركي. أما أحدث عملية اقتناء لها فكانت عام 2018 عبر معرض هيلي نهمد في لندن، وتبلغ اليوم سعراً تقديرياً قبل البيع يتراوح بين 2 و 3 ملايين دولار أميركي، وهو رقم يزيد بنسبة 185٪ عن سعرها التقديري السابق البالغ 700 ألف دولار.

 

لوحة "بويد مونتيه" - فاسيلي كاندينسكي
السعر التقديري: 1,500,000 – 2,000,000 دولار أميركي

في عام 1933، أُجبرت مدرسة الباوهاوس الألمانية الرائدة في الفن والعمارة والتصميم على إغلاق أبوابها تحت وطأة الضغوط الفاشية المتصاعدة. وعلى إثر ذلك، غادر فاسيلي كاندينسكي وزوجته نينا ألمانيا ليستقرا في نويي سور سين، إحدى الضواحي الهادئة في باريس، حيث عاش وعمل حتى وفاته عام 1944.

مثّلَ هذا الانتقال تحولاً مهماً في مسيرته الفنية، إذ بدأت الهندسة الصارمة والدقة المعمارية التي ميزت فترة الباوهاوس في أعماله بالتراجع لصالح لغة بصرية أكثر عضوية، مستوحاة من اهتمامه المتزايد بعلم الأحياء وعلم الكونيات والبنية المجهرية للكائنات الحية. وأصبحت موضوعات النمو والتكون والتحول عناصر متكررة في أعماله، كما بدأت العمليات الكامنة وراء تشكل المادة الحية بالظهور بوضوح في لوحاته.

تتمحور لوحة "بويد مونتيه" حول دائرة هندسية نقية يمتد منها ذيل غير منتظم وعضوي، ما يمنح الشكل طابعاً يذكر بالكائنات المجهرية أو الأجنة كما لو كانت مرصودة تحت المجهر. وفي الخلفية، يخترق سطح شبه منحرف التكوين بزاوية مائلة، موجهاً العين إلى الأعلى، وهي حركة تتكرر في الأشكال البيضاوية الوردية والبنفسجية على الجانب الأيمن. أما التباين بين الأسود والأبيض الذي يحيط بالعناصر المركزية، فيمنح اللوحة في الوقت نفسه إحساساً بالتسطيح والعمق، مولداً شعوراً دائماً بالحركة عبر سطحها.

احتفظ المالك الحالي بهذه اللوحة منذ تسعينيات القرن الماضي، بعد اقتنائها من مجموعة خاصة في اليابان. وتحمل اليوم سعر تقديري قبل البيع يتراوح بين 1.5 و 2 مليون دولار أميركي.

 

لوحة "وعاء الفاكهة" - رينيه ماغريت
السعر التقديري: 800,000 – 1,200,000 دولار أميركي

مع حلول عام 1958، كان رينيه ماغريت أحد أبرز رسامي السريالية في بلجيكا، يعيش واحدة من أكثر الفترات إنتاجاً في مسيرته الفنية. وكان الدافع الرئيسي وراء ذلك عقداً وقعه قبل عامين مع تاجر الأعمال الفنية ألكسندر إيولاس، ضمن له راتباً سنوياً مقابل أحقية الأولوية في شراء أعماله الجديدة وحقوقاً حصرية لعرضها في الولايات المتحدة. وقد شكل هذا الاتفاق نقطة تحول كبيرة في مسيرته، ففي ذلك العام وحده أنجز ماغريت 27 لوحة زيتية وأكثر من اثنتي عشرة لوحة من لوحات الغواش، من بينها "لو كومبوتييه" أو "وعاء الفاكهة" كما تسمى بالعربية.

جاءت هذه اللوحة ضمن سلسلة من التجارب الفنية التي كان ماغريت يعمل عليها منذ أربعينيات القرن الماضي، حيث عمد إلى انتزاع الأشياء اليومية من سياقها المألوف وإعادة تقديمها بطرق تجعلها تبدو غريبة ومربكة. وخلال تلك الفترة، أصبح حضور الفاكهة متكرراً في أعماله، فتارةً تظهر ككتلة ضخمة ومهيبة، وتارةً أخرى كعنصر خفيف ومنفصل عن الواقع. وقد احتلت التفاحة على وجه الخصوص مكانة متكررة في العديد من أعماله.

لكن في "وعاء الفاكهة"، يستبدل رينيه ماغريت التفاحة بثمرة كمثرى، مع الحفاظ على السطح الأخضر اللامع نفسه، في خطوة مقصودة تعكس اهتمامه بالتحول وقدرته على اكتشاف الغرابة الكامنة في أكثر الموضوعات اعتيادية. ومن المرجح أن الصورة استُلهمت من كتالوج نباتي أو دليل للفاكهة بدلاً من الملاحظة المباشرة، خاصةً وأن عدداً من هذه المنشورات عُثر عليه بين مقتنياته بعد وفاته.

رُسمت ثمرة الكمثرى بدقة متناهية تكاد تبدو سريرية، في انعكاس واضح لخلفية ماغريت المهنية السابقة كمصمم إعلاني. ورغم وجودها الطبيعي داخل الوعاء، فإن حضورها يبدو غير مألوف ومثيراً للغرابة، وهو التأثير الذي كان يسعى إليه الفنان عمداً. وكما أشار ماغريت في كتاباته المجمعة، فإن الأشياء اليومية كانت تثير اهتمامه ليس رغم مألوفيتها بل بسببها، إذ كان يراها أوعية تحمل في داخلها غرابة تتجاهلها نظرتنا المعتادة للأشياء.

وبفضل نظرته الفنية الثاقبة، اختار ألكسندر إيولاس الاحتفاظ باللوحة الزيتية المرافقة ضمن مجموعته الخاصة. أما نسخة الغواش، فقد بيعت إلى معرض بودلي بعد شهرين فقط من إنجازها، ما يشير إلى احتمال وجود مشتري جاهز حتى قبل أن تغادر اللوحة مرسم ماغريت.

 

لوحة "منارة مونهيغان" - إدوارد هوبر
السعر التقديري: 1,200,000 – 1,800,000 دولار أميركي

لم تكن نيو إنجلاند مجرد خلفية في أعمال إدوارد هوبر، بل كانت الأساس الذي قامت عليه رؤيته الفنية. فمنذ فتراته الصيفية المبكرة في ولاية "مين" وصولًا إلى ارتباطه الطويل بمنطقة كيب كود، وفرت له هذه المنطقة الموضوعات التي حولها طوال مسيرته إلى رموز في الفن الأميركي. ومن بين هذه الموضوعات، برزت المنارات كأحد أكثر الرموز حضوراً في أعماله، إذ ظهرت عبر عقود مختلفة من إنتاجه الفني.

تقع جزيرة مونهيغان على بعد نحو عشرة أميال من ساحل ولاية مين، وقد جذبت منذ زمن طويل الرسامين الأميركيين بما تتميز به من شواطئ درامية وضوء أطلسي واسع. زارها هوبر لأول مرة في صيف عام 1916، ثم أصبح يعود إليها سنوياً حتى عام 1919، وأنجز خلال تلك الفترة 32 عملاً زيتياً موثقاً. تركز معظم هذه الأعمال على الأمواج وهي تصطدم بالمنحدرات الصخرية، إلا أن لوحة "منارة مونهيغان" تُعد واحدة من عملين فقط في تلك السلسلة يركزان على المباني التي صنعها الإنسان بدلاً من الطبيعة.

تتوسط المنارة تكوين اللوحة، مرسومة بظلال قوية وتفاصيل معمارية دقيقة وإحساس واضح بملمس المقدمة. وتعد هذه اللوحة من أهم أعماله في مرحلة التكوين المبكرة، وغالباً ما يُنظر إليها كواحدة من أفضل إنجازاته في تلك الفترة.

امتد تأثير أعمال مونهيغان إلى ما هو أبعد من تجربة هوبر الشخصية، إذ أسهمت قدرته على الموازنة بين الواقعية وما يقترب من التجريد في ترك أثر واضح لدى أجيال لاحقة من الرسامين الأميركيين.

دخلت لوحة "منارة مونهيغان" مجموعة خاصة في نيويورك عام 1974، ثم انتقلت عبر الإرث إلى مالكها الحالي. وتظهر الآن في مزاد علني للمرة الأولى، مع سعر تقديري قبل البيع يتراوح بين 1.2 و 1.8 مليون دولار أميركي.

 

ما يجمع هذه الأعمال ليس الأسلوب أو الحس الفني، بل الطموح الهائل الذي ميّز الحقبة التي أُنجزت فيها. قارات مختلفة، وفلسفات متباينة، وأنماط متعددة مع التقاليد، ومع ذلك فإنها جميعاً ترتبط بقرن فني مضطرب لا يعرف السكون. وتعد سوثبيز بتاريخها الممتد منذ عام 1744، المنصة الأكثر ملاءمة على الأرجح لأعمال تسرد مجتمعة قصة قرن كامل من الفن.