معرض أعمال "دوريس برينر" في دار سوثبيز باريس

 

تُعد دوريس برينر رمزاً للأناقة في الأوساط الفنية والاجتماعية الراقية خلال فترة القرن العشرين. تقديراً لتأثيرها في عالم الموضة والثقافة والفنون، تُقيم دار سوثبيز باريس معرضاً في أواخر يناير 2026، يُسلط الضوء على حياة امرأة كان لديها ذوق رفيع بالفطرة، وكانت الحرفية غاية تسعى إليها باستمرار. يتزامن هذا الحدث مع أسبوع باريس للأزياء الراقية، ويُقدم المعرض الذي تنسقه ابنة برينر صورة مثالية عن عالم برينر، الذي تشكل عبر مسيرة حافلة من خبرتها الفنية وجمع المقتنيات.

يمتد المعرض ما بين 23 إلى 26 يناير، يليه مزاد علني على جزأين، مزاد مباشر في 27 يناير، ومزاد أونلاين في 28 يناير. ستُقدم هذه اللحظات مجتمعة مجموعة استثنائية من المجوهرات والأزياء الراقية والتحف الفنية، اختيرت كل قطعة منها لقدرتها على تجسيد ذوق برينر الرفيع وجمالها الشخصي. أكثر من مجرد مجموعة من الأشياء الجميلة، تكشف هذه المجموعة عن الروح الإبداعية الخاصة لسيدة تنقلت بسلاسة بين المجالات الفنية والاجتماعية والثقافية، تاركةً إرثاً لا يزال يُلهم هواة الجمع والمصممين وخبراء الذوق في جميع أنحاء العالم.

 

معرض أعمال "دوريس برينر" في دار سوثبيز باريس

 

تاريخ حافل في عالم المقتنيات، من المجوهرات إلى الفن المعاصر

يُغطي المزاد أكثر من ستين عاماً من جمع المقتنيات الراقية من عالم دوريس برينر، شاملاً قطعاً من بولغاري، بوشرون، إلى جانب دبابيس مرصعة بالياقوت والماس كانت ملكاً لأودري هيبورن أهدتها إياها إليزابيث تايلور. تتصدر قسم المجوهرات إبداعات جان شلومبرجيه، بما في ذلك أقراط ماسية مستوحاة من الزهور، ودبوس نجم البحر المنحوت من ستينيات القرن الماضي، وحقيبة يد صغيرة نادرة من الذهب والماس تعود إلى خمسينيات القرن الماضي.

 

تحتل الأزياء مكانة لا تقل أهمية في المزاد، حيث يبرز فستان سهرة عاجي من تصميم كريستوبال بالنسياغا، والذي التقطت له إنجي موراث صوراً رائعة، ويكمله تصاميم أنيقة من كريستيان ديور تعكس علاقة برينر الوطيدة مع دور الأزياء الراقية في باريس. تضم المجموعة أيضاً رسماً تخطيطياً لجون غاليانو، ورسماً مهداة لدوريس من كارل لاغرفيلد، و صورتين فوتوغرافيتين لأندي وارهول، إحداهما تُظهرها برفقة أودري هيبورن. يكتمل المشهد بثريا ثلاثية الفروع من تصميم كلود لالين، إلى جانب أعمال معاصرة لجان ميشيل أوتنيل وقطع برونزية من صنع بيتر مارينو، تكشف كل منها عن حوار آسر بين المادة والشكل والتعبير الشخصي.

 

أثرها ومكانتها في ديور

لم تتشكل شخصية دوريس برينر في مكان واحد، بل من خلال سلسلة من الثقافات، تركت كل منها بصمة مميزة على نظرتها وفهمها للجمال. ولدت في يوغوسلافيا السابقة عام 1931، وقضت سنوات بعدها في تشيلي قبل أن تستقر في فرنسا خلال خمسينيات القرن الماضي، وهو مسار منحها نظرة عالمية فريدة. بدأت حياتها المهنية أمام الكاميرا كعارضة أزياء، قبل أن تنتقل إلى العمل خلف الكواليس مع بيير كاردان بعد وصولها إلى باريس بفترة وجيزة. إلا أن موهبتها الفطرية في التعامل مع الناس وتقديم العروض بدت أكثر وضوحاً وبريق في دار فالنتينو. وبصفتها رئيسة قسم علاقات العملاء المميزين في دار الأزياء، كونت شبكة من الشخصيات المؤثرة ولعبت دوراً هاماً في تسريع الانتشار الدولي للدار من خلال شبكة علاقاتها الواسعة.

 

في عام 1997 انضمت برينر إلى كريستيان ديور لتتولى قيادة قسم الأزياء والهدايا، وهو المنصب الذي شغلته لأكثر من عقدين. شكل تعيينها نقلة نوعية دقيقة وحاسمة في نهج دار ديور تجاه عالم الأزياء المنزلية. ففي متجرها الكائن في شارع مونتين، أضفت روحاً تجمع بين الأناقة والمرح، محولةً المتجر إلى وجهة تُشعرك بالفخامة وكأنها في بيتك. من خزف ليموج و زجاج مورانو إلى كريستال تيريز ينثال، والمفروشات المطرزة، والمنسوجات المصنوعة من الخيزران، والشموع ذات الروائح العطرة، اتحدت اختياراتها بذوق رفيع. تحت قيادتها، لم يعد متجر ديور مجرد مساحة تجارية، بل أصبح أشبه بصالون راقي، حيث يتنقل فيه هواة جمع التحف والشخصيات الاجتماعية وقادة الصناعة.

في عام 2012، مُنحت دوريس برينر وسام الفنون والآداب تقديراً لإسهاماتها في الفن والتصميم وثقافة الأزياء الراقية، مؤكدةً بذلك تأثيرها الدائم على كيفية إدخال الجمال إلى الحياة اليومية.

 

دائرة صداقات النخبة

عاشت دوريس برينر حياة ثقافية نابضة في القرن العشرين، ونسجت علاقات صداقة متينة مع العديد من الشخصيات البارزة في تلك الحقبة. كانت أودري هيبورن وفرانك سيناترا وإليزابيث تايلور ضمن دائرة مقربة وداعمة، حيث كانوا يجتمعون حول دوريس لتناول عشاء خاص وقضاء ليالي طويلة في أحاديث ودية، بعيداً عن أعين العامة. ويُقال إن سيناترا علّمها حتى كيفية تحضير المارتيني المثالي في منتجعه في بالم سبرينغز. أما إليزابيث تايلور، التي كانت أيضاً العرابة لابنة دوريس فيكتوريا، فقد ظلت حاضرة في حياتها، وهو ما تم توثيقه لاحقاً في ظهور دوريس في الفيلم الوثائقي "إليزابيث تايلور: الأشرطة المفقودة" عام 2024.

امتدت صداقاتها بسلاسة إلى مجتمعات الموضة والسينما والتصميم. ومن بين الذين كانوا سعيدين بصحبتها وكرمها كارل لاغرفيلد، وأوسكار دي لا رينتا، وآلان ديلون، وفرانسوا كاترو. يضم أرشيف فيكتوريا الخاص صوراً فوتوغرافية تُجسد مشاهد سينمائية بامتياز .. والداها يحضران العرض الأول لفيلم كليوباترا، والدتها خلف الكواليس بينما تستعد ماري شانتال اليونانية لحفل زفافها، أمسيات في جنوب فرنسا مع عائلة كاترو، أو أطفال نياركوس مجتمعين حول مائدة مضاءة بالشموع.

وإلى جانب هذه الصور، توجد مقتنيات تحكي قصصها الخاصة بهدوء. فواتير بالنسياغا، وهدايا شخصية، وكتاب مُهدى من جان شلومبرجيه، كلها شاهدة على حياة عاشتها فيكتوريا في قلب لحظة ثقافية استثنائية. تُعرض هذه المقتنيات الآن في دار سوثبيز، لتشكل رابطاً ملموساً بعصر تميز بالأناقة والصداقة والفن.

 

يعتبر معرض تكريم دوريس برينر في دار سوثبيز في باريس من الأحداث التي تترك بصمة لا تُمحى، إذ يُتيح فرصة فريدة للقاء ليس فقط شخصيةً مشهورة، بل شخصية مؤثرة شكلت حياتها شغفاً دائماً بالجمال. إن المزاد دعوة حقيقية لكل المعجبين بإرث جمالي عريق يتجسد في قطع فنية مميزة، إنه فرصة للتعرف على قصة جماعية ثرية تجمع عشاق تاريخ الموضة، وهواة جمع المجوهرات، وكل من يميل إلى التصميم الداخلي المعاصر.