نظرة على النهضة البيئية في المملكة العربية السعودية
ارتبط اقتصاد المملكة العربية السعودية ارتباط وثيق بأعظم مواردها الطبيعية وهو النفط. فمنذ ثلاثينيات القرن الماضي، أعادت احتياطيات «الذهب الأسود» تشكيل الاقتصادين المحلي والعالمي، ودَفعت بالمملكة إلى صدارة المشهد الدولي. واليوم، تشهد البلاد تحول من نوع مختلف، تحول يضع الحس البيئي والاستدامة في قلب الطموح الوطني. فمن مدن تعمل بالطاقة الشمسية، إلى سياحة متجددة تعيد إحياء الطبيعة، و عمارة صحراوية منسجمة مع البيئة، تعيد السعودية صياغة هويتها من منظور بيئي جديد، مدعوم برؤية 2030.

الاستدامة في السعودية
رؤية 2030: الاستدامة استراتيجية لا شعار
أُطلقت رؤية السعودية 2030 عام 2016 بوصفها خطة التحول الوطني الشاملة، وخارطة طريق تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط، وتحفيز نمو القطاع الخاص، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة. وفي صميم هذه الرؤية التزامات بيئية واسعة النطاق، من أبرزها:
- توليد 50٪ من طاقة المملكة من مصادر متجددة بحلول عام 2030
- زراعة 10 مليارات شجرة في أنحاء المملكة ضمن مبادرة السعودية الخضراء
- تخصيص أكثر من 30٪ من مساحة اليابسة والبحر كمناطق طبيعية محمية
- إنشاء وجهات سياحية محايدة كربونياً مثل وجهة البحر الأحمر
- الاستثمار في إنتاج الهيدروجين النظيف وتقنيات احتجاز الكربون
وقد انتقلت العديد من هذه المبادرات من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الفعلي. فمحطة سكاكا للطاقة الشمسية دخلت الخدمة بالفعل وتزوّد المنازل بالكهرباء دون انبعاثات، كما يعمل مشروع دومة الجندل لطاقة الرياح بطاقة تتجاوز 400 ميغاواط من الطاقة النظيفة. وفي المشاريع الكبرى مثل نيوم والبحر الأحمر، فُرضت اشتراطات بناء جديدة تُلزم باستخدام مواد منخفضة الأثر البيئي، وحلول طاقة مستقلة، وسياسات صفر نفايات.
ويبرز هنا مشهد يحمل مفارقة لافتة، فثروة النفط التي صنعت تاريخ المملكة، تموّل اليوم إعادة ابتكارها البيئي، في توظيف استراتيجي للفوائض لبناء مستقبل أكثر استدامة.
الاستدامة على أرض الواقع: نماذج عن السعودية الجديدة
البحر الأحمر: سياحة متجددة على نطاق واسع
يُعد مشروع البحر الأحمر أحد أكثر المشاريع البيئية طموحاً وإبهاراً في المملكة اليوم؛ إذ يمتد على أكثر من 90 جزيرة طبيعية ذات رمال بيضاء، كانت مغلقة أمام الزوار. واليوم، تقود هذه المنطقة مسار جديد في مفهوم التنمية المتجددة، وهو نهج يسعى ليس فقط إلى حماية البيئة، بل إلى استعادتها وتعزيزها. ويتصدر هذا التوجه مشروع البحر الأحمر بقيادة شركة البحر الأحمر الدولية.
وقبل بدء أعمال البناء، أُجريت دراسات شاملة للنظم البيئية البحرية والساحلية، شملت الشعاب المرجانية، و مروج الأعشاب البحرية، وغابات القرم، وعوالم الحياة الفطرية مثل شواطئ تعشيش السلاحف و مسارات الطيور المهاجرة. واستناداً إلى هذه الدراسات، وُضع إطار تطوير صارم يحدد سقف بيئي واضح، إذ سيُطور 22 جزيرة فقط من أصل 90. كما تُراقَب هذه الأنظمة البيئية بشكل فوري عبر منصات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تتابع صحة الشعاب وجودة المياه.
وتعكس العمارة في البحر الأحمر فهم عميق للمناخ والسياق الطبيعي. فالمواد المستوحاة من البيئة المحلية, كالحجر ذي اللون الرملي، والأخشاب الفاتحة، والعناصر المنسوجة, تنسجم مع المشهد الطبيعي. وفي منتجع و فلل فورسيزونز القريبة، صُممت الواجهات العميقة، واستخدمت خرسانة منخفضة الانبعاثات، وأُضيفت مظلات واسعة للحد من امتصاص الحرارة الشمسية. وتعتمد جميع وجهات البحر الأحمر على الطاقة المتجددة لتشغيل مختلف الأنشطة اليومية، من تحلية المياه إلى وسائل النقل.
ولا يقتصر الاهتمام على البيئة المبنية، بل أُعلنت مساحات واسعة من الساحل كمناطق بحرية محمية للحفاظ على المواطن الطبيعية الحساسة فوق سطح الماء وتحته. وتضم بعض المنتجعات، مثل منتجع نُجومه ريتز كارلتون ريزيرف، علماء طبيعة وفلك مقيمين، ليصبح العالم الطبيعي جزء محوري من تجربة الضيوف.
الدرعية: التراث إطار للاستدامة
على الجهة الشمالية الغربية من العاصمة الرياض تقع مدينة الدرعية، مهد الدولة السعودية الأولى وأحد أكثر مشاريع إعادة التطوير الثقافي طموحاً في المملكة. تستند الدرعية إلى مفهوم مختلف من الاستدامة، مفهوم يستلهم من العمارة النجدية التقليدية بوصفها مرجع حي لها، حيث تُستخدم الواجهات الطينية لتنظيم الحرارة طبيعياً، وتُصمم الأزقة الضيقة بعناية للحد من التعرض المباشر لأشعة الشمس؛ وهي استراتيجيات قديمة تنسجم مع طبيعة الصحراء.
وتواصل المساكن الفاخرة الجديدة هذه المبادئ النجدية بوعي وتصميم مقصود. إذ تُرتب الفلل والمباني السكنية حول ممرات مظللة مزروعة بأشجار الغاف والأثل وأعشاب الصحراء، وهي نباتات تتحمل الجفاف وتحتاج إلى كميات محدودة من المياه. وليس من المستغرب أن تحصل الدرعية على شهادة الريادة في تصميمات الطاقة والبيئة البلاتينية، إلى جانب شهادة مستدام (فئة أجود)، وهو إنجاز مزدوج نادر يعكس مدى عمق حضور الاستدامة في عملية إحياء هذا الحي التاريخي.
مع وتيرة النمو المتسارعة في المملكة، قد يسهل نسيان طبيعة الأرض التي يجري البناء عليها، أرض حارة شاسعة، يقل فيها المطر معظم شهور السنة. تاريخياً، لم تستطع الحياة في هذه البيئة أن تستمر إلا بفضل مجتمعات بدوية صغيرة، عرفت حدود الأرض وتحركت وفق إيقاع مواسمها.
في هذا السياق، يبدو تبني المملكة للتنمية المتجددة، من مزارع الرياح، إلى الحدائق المتناغمة مع الطبيعة، إلى تنظيم المناطق البحرية، تحول لافت بكل المقاييس. إنه دليل على أن التغيير العميق، حين يُسعى إليه برؤية واضحة وإرادة حازمة، قابل للتحقيق والاستدامة.